٧

حال الأنس

قَالَ الشَيْخُ  رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ومعنى الأنس بالله تعالى : الاعتماد عليه والسكون إليه والاستعانة به ولايتهيأ أن يعبر عنه بأكثر من هذا

وقد روى فى الخبر  : أن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، رحمه الله كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه : ليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه ، فإن لله تعالى عبادا استأنسوا بالله فكانوا فى وحدتهم أشد استئناسا من الناس فى كثرتهم ، وأوحش ما يكون الناس آنس ما يكونون ، وآنس ما يكون الناس أوحش مايكونون

ومطرف بن عبد الله من كبار التابعين ، وكذلك عمربن عبد العزيز رضي الله عنه من الأئمة الراشدين

وذكر عن بعض العارفين أنه قال : إن لله عز وجل عبادا أرادهم بحق حقائق الأنس به فأخذهم به عن وجد طعم الخوف مما سواه

والأنس بالله : لعبد قد كملت طهارته وصفا ذكره واستوحش من كل ما يشغله عن الله تعالى ، فعند ذلك آنسه الله تعالى به

وأهل الأنس فى الأنس على ثلاثة أحوال :

فمنهم من أنس بالذكر واستوحش من الغفلة ، وأنس بالطاعة واستوحش من الذنب

كما حكي عن سهل بن عبد الله رحمه الله أنه قال :
أول الأنس من العبد أن تأنس النفس والجوارح بالعقل ، ويأنس العقل والنفس بعلم الشرع ، ويأنس العقل والنفس والجوارح بالعمل لله خالصا ، فيأنس العبد بالله أى يسكن إليه

والحال الثانى من الأنس : فهو لعبد قد استأنس بالله واستوحش مما سواه من العوارض والخواطر المشغلة

كما ذكر عن ذي النون رحمه الله ، أنه قيل له 
ما علامة الأنس بالله ؟ قال : إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه هو ذا يوحشك من نفس ، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فهو ذا يؤنسك بنفسه

وشئل الجنيد رحمه الله ، عن الأنس بالله فقال : ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة

وقال إبراهيم المارستاني ، رحمه الله ، وسئل عن الأنس ، قال : فرح القلب بالمحبوب

والحال الثالث من الأنس : هو الذهاب عن رؤية الأنس بوجود الهيية والقرب والتعظيم مع الأنس

كما ذكر عن بعض أهل المعرفة أنه قال : إن لله عبادا أوجد لهم من الهيبة له ما أخذهم به عن الأنس بغيره

وهذا كما ذكر عن ذي النون رحمه الله : أن رجلا كتب إليه : آنسك الله بقربه فكتب إليه ذو النون : أوحشك الله من قربه ، فإنه إذا آنسك بقربه فهو قدرك وإذا أوحشك من قربه فهو قدره

معنى قوله : أوحشك من قربه ، يعنى بأن يوجدك هيبة قربه

وسئل الشبلى رحمه الله عن الأنس فقال : وحشتك منك ومن نفسك ومن الكون

والأنس بالله اقتضى الطمأنينة