٤

حال الخوف
قال الشيخ رحمه الله : فأما حال الخوف فإنما ذكرنا الخوف والمحبة ، لأن حال القرب يقتضي حالين
فمنهم من يغلب على قلبه الخوف من نظره إلى قرب الله منه ، ومنهم من يغلب على قلبه المحبة ، وذلك على حسب ما قسم الله للقلوب من التصديق وحقيقة اليقين والخشية ، وذلك من كشف الغيوب ، فإن شاهد قلبه فى قربه من سيده عظمته وهيبته وقدرته فيؤدية ذلك إلى الخوف والحياء والوجل ، وإن شاهد قلبه فى قربه لطف سيده وقديم عطفه وإحسانه له ومحبته أداه ذلك إلى المحبة والشوق والقلق والحرق والتبرم بالبقاء وذلك بعلمه ومشيئته وقدرته ذلك تقدير العزيز العليم
والخوف على ثلاثة أوجه ، وقد ذكر الله تعالى الخوف وقرنه بالإيمان بقوله : ( آل عمران : الآية : 175 ) ، فهذا خوف الأجلة
وقوله : ( الرحمان : الآية 46 ) ، فهذا خوف الأوساط
وقال : ( النور : الآية 37 ) ، فهذا خوف العامة
فمنهم من خاف من سخطه وعقابه ، كما ذكر الله تعالى : ( النور : الآية 37 )
وهم العامة فخوفهم : اضطراب قلوبهم مما علموا من سطوة معبودهم
وأما الأوساط فخوفهم من القطيعة واعتراض الكدورة فى صفاء المعرفة
وسئل الشبلى رحمه الله عن الخوف فقال : تخاف ألا يسلمك إليك
كما قال أبو سعيد الخراز رحمه الله فى كلام له قال : شكوت إلى بعض العارفين الخوف فقال لي : إني أشتهي أن أرى رجلا يدري أيش الخوف من الله ؟ ثم قال : إن أكثر الخائفين خافوا على أنفسهم من الله شفقة منهم على أنفسهم ، وعملا في خلاصها من أمر الله عزّ وجلّ
وقال ابن خبيق رحمه الله : الخائف عندي : أن يكون بحكم الوقت : فوقت يخافه المخلوق ووقت يأمنه
وقال القناد ، رحمه الله : علامة الخوف : أن لا يعلل نفسه بعسى وسوف
وقال بعضهم : علامة خوف الله تعالى : هيجان القلوب ، وشدة الذعر من الترهيب
وقال ابن خبيق رحمه الله : الخائف عندي من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان
وأما أهل الخصوص من الخائفين فخوفهم ، على ما قال سهل بن عبد الله رحمه الله ، لو قسم ذرة من خوف الخائفين على أهل الأرض لسعدوا بذلك أجمعين
فقيل له : فكم يكون مع الخائفين من هذا الخوف ؟ قال : مثل الجبل
وقال ابن الجلاء الخائف عندي الذي لايخاف غير الله تعالى
وقال الواسطي ، رحمه الله : الأكابر يخافون القطع والأصاغر يخافون العقوبة وخوف الأكابر أقطع ، لأن ما دام للنفس فى النفس من رعوناتها  بقية فليس بمحسن وإن أتى بكل تفويض وتسليم
قال الشيخ رحمه الله : معنى رعوناتها : تدبيرها ودعواها ونظرها إلى طاعاتها والرجاء مقرون بالخوف

٥

حال الرجاء
قال الشيخ رحمه الله : والرجاء حال شريف : قال الله تعالى : ( الأحزاب : الآية 21 )
وقال فى آية أخرى : ( الإسراء : الآية 57 )
وقال فى آية أخرى : ( الكهف : الآية 110 )
قالو فى التفسير : ثواب ربه
وقال صلعم : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا
وقال بعضهم : الخوف والرجاء جناحا العمل ولايطير إلا بهما
وقال أبو بكر الوراق : الرجاء ترويح من الله تعالى لقلوب الخائفين ، ولولا ذلك لتلفت نفوسهم وذهلت عقولهم
والرجاء على ثلاثة أقسام :
رجاء فى الله
ورجاء فى سعة رحمة الله
ورجاء فى ثواب الله
فالرجاء فى ثواب الله وفي سعة رحمته لعبد مريد قد سمع من الله ذكر المنن فرجاه ، وعلم أن الكرم والفضل والجود من صفات الله فارتاج قلبه إلى المرجو من كرمه وفضله
وكما حكي عن ذي النون المصري رحمه الله : أنه كان يدعو ويقول : أللهم إن سعة رحمتك ارجالنا من أعمالنا عندنا ، واعتمادنا على عفوك أرجأ عندنا من عقابك لنا
وكما قال بعضهم : إلهى أنت لطيف لمن قصدك فى إرادته ، ورجاك فى ملماته فيا منتـهى آمال الراجين أرجنا راحة عاجلة توردنا مناهل مسرتك وتؤدينا إلى قربك
والراجي فى الله تعالى : هو عبد تحقيق فى الرجاء ، فلا يرجو من الله شيئا سوى الله
كماسئل الشبلي رحمه الله عن الرجاء فقال : الرجاء أن ترجوه أن لايقطع بك دونه
وقال ذو النون رحمه الله : بينا أنا أسير فى بعض البوادى إذ لقيتني امرأة فقالت لي : من أنت ؟ قلت : رجل غريب ، فقلت : وهل يوجد مع الله تعالى أحزان الغربة

فصل فى معنى الخوف والرجاء
قالت الشيخ رحمه الله : وأما لسان أهل النهايات والمتحققين فى الخوف والرجاء : فالذي يقول أحمد بن عطاء ، رحمه الله ، حين سئل عن الخوف والرجاء فقال : إن الخلق بالرجاء والخوف مؤذنون ، ولم دام لم يترق العبد فى طرقهما ، ولم يترق من بينهما ، لم يصل إلى حقيقة حقهما ، ويكون مرتبط بما لاحاصل له فيهماعند الحقيقة
قيل : فما هما ؟ يعني الخوف والرجاء قال : زمامان للنفس حتى لاتخرج إلى رعوناتها : من الإدلال والأمن ، والإياس والقطع
وقال أبو بكر الواسطى ، رحمه الله : الخوف له ظلم يتحير صاحبه تحته يطلب أبدا المخرج منه ، فإذا جاء الرجاء بضيائه خرج إلى مواضع الراحة فغلب عليه التمني ، ولاينفع حسن النهار إلا بظلمة الليل ، وفيهما صلاح الكون ، فكذلك القلب : مرة فى ظلم الخوف أسير ، فإذا طرق طوارق الرجاء فهو أمير
والمحبة والخوف والرجاء مقرون بعضها ببعض
وقال بعضهم : كل محبة لا خوف معها فهى مأوفة ، وكل خوف لارجاء معه فهو مأوف ، وكل رجاء لاخوف معه كذلك
والرجاء والمحبة يقتضيان الشوق

٦

حال الشوق


قال الشيخ رحمه الله تعالى : وحال الشوق حال شريف
روي عن النبى صلعم : أنه قال : ألا هل مشتاق إلى الجنة ؟ هى رب الكعبة ريحانة تهتز ، ونهر مطرد ، وزوجة حسناء

وروى عنه صلعم : أنه كان يقول فى دعائه :
أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك
ولذة النظر إلى وجه الله تعالى فى الآخرة والشوق إلى لقائه فى الدنيا

وقد روى أيضا : من اشتاق إلى الجنة ثلاثة : إلى علي وعمار وسلمان رضى الله عنهم أجمعين

والشوق : هو لعبد قد تبرم ببقائه شوقا إلى لقاء محبوبه


وسئل بعضهم عن الشوق فقال : هيمان القلب عند ذكر المحبوب

وقال آخر : الشوق : نار الله تعالى أشعلها فى قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما فى قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات

وقال الجريري رحمه الله : لولا أن فى الشوق متعة ما حمل الضر

وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله : ملئت قلوبهم عن المحبة فطاروا بالله عز وجل طربا وهاموا إليه اشتياقا فيالهم من قلق مشتاق أسف بربه كلف دنف ليس لهم سكن غيره ولامألوف سواه


وأهل الشوق على ثلاثة أحوال :

فمنهم من اشتاق إلى ما وعد الله تعالى لأوليائه من الثواب والكرامة ، والفضل والرضوان

ومنهم من اشتاق إلى محبوبه من شدة محبته وتبرمه ببقائه شوقا إلى لقائه

ومنهم من شاهد قرب سيده أنه حاضر لايغيب ، فينعم قلبه بذكره

وقال : إنما يشتاق إلى غائب وهو حاضر لايغيب ، فذهب بالشوق عن رؤية الشوق ، فهو مشتاق بلا شوق ، ودلائله تصفه عند أهله بالشوق ، وهو لايصف نفسه بالشوق ، والشوق يتقضي الأنس

٧

حال الأنس

قَالَ الشَيْخُ  رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ومعنى الأنس بالله تعالى : الاعتماد عليه والسكون إليه والاستعانة به ولايتهيأ أن يعبر عنه بأكثر من هذا

وقد روى فى الخبر  : أن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، رحمه الله كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه : ليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه ، فإن لله تعالى عبادا استأنسوا بالله فكانوا فى وحدتهم أشد استئناسا من الناس فى كثرتهم ، وأوحش ما يكون الناس آنس ما يكونون ، وآنس ما يكون الناس أوحش مايكونون

ومطرف بن عبد الله من كبار التابعين ، وكذلك عمربن عبد العزيز رضي الله عنه من الأئمة الراشدين

وذكر عن بعض العارفين أنه قال : إن لله عز وجل عبادا أرادهم بحق حقائق الأنس به فأخذهم به عن وجد طعم الخوف مما سواه

والأنس بالله : لعبد قد كملت طهارته وصفا ذكره واستوحش من كل ما يشغله عن الله تعالى ، فعند ذلك آنسه الله تعالى به

وأهل الأنس فى الأنس على ثلاثة أحوال :

فمنهم من أنس بالذكر واستوحش من الغفلة ، وأنس بالطاعة واستوحش من الذنب

كما حكي عن سهل بن عبد الله رحمه الله أنه قال :
أول الأنس من العبد أن تأنس النفس والجوارح بالعقل ، ويأنس العقل والنفس بعلم الشرع ، ويأنس العقل والنفس والجوارح بالعمل لله خالصا ، فيأنس العبد بالله أى يسكن إليه

والحال الثانى من الأنس : فهو لعبد قد استأنس بالله واستوحش مما سواه من العوارض والخواطر المشغلة

كما ذكر عن ذي النون رحمه الله ، أنه قيل له 
ما علامة الأنس بالله ؟ قال : إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه هو ذا يوحشك من نفس ، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فهو ذا يؤنسك بنفسه

وشئل الجنيد رحمه الله ، عن الأنس بالله فقال : ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة

وقال إبراهيم المارستاني ، رحمه الله ، وسئل عن الأنس ، قال : فرح القلب بالمحبوب

والحال الثالث من الأنس : هو الذهاب عن رؤية الأنس بوجود الهيية والقرب والتعظيم مع الأنس

كما ذكر عن بعض أهل المعرفة أنه قال : إن لله عبادا أوجد لهم من الهيبة له ما أخذهم به عن الأنس بغيره

وهذا كما ذكر عن ذي النون رحمه الله : أن رجلا كتب إليه : آنسك الله بقربه فكتب إليه ذو النون : أوحشك الله من قربه ، فإنه إذا آنسك بقربه فهو قدرك وإذا أوحشك من قربه فهو قدره

معنى قوله : أوحشك من قربه ، يعنى بأن يوجدك هيبة قربه

وسئل الشبلى رحمه الله عن الأنس فقال : وحشتك منك ومن نفسك ومن الكون

والأنس بالله اقتضى الطمأنينة

٨

حال الطمأنينة

قال الشيخ رحمه الله وقد قال الله تعالى : يَـٰٓأَيَّتُہَا ٱلنَّفسُ ٱلمُطْمَئِنَّةُ ( الفجر : الآية ٢٧) وفى التفسير : المطمئنة بالإيمان ،

وقال عزّ وجلّ : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ ٱللهِ أَلَا بِذِكرِ ٱللهِ تَطمَئِنُّ ٱلقُلُوْبُ ( الرعد : الآية ٢٨ )

وقال فى قصة إبراهيم عليه السلام : وَلَـٰكِنْ لِّيَطمَئِنَّ قَلبِى‌  ( البقرة : الآية 260 )

وقال سهل بن عبد الله رحمه الله ، إذا سكن قلب العبد إلى مولاه واطمأن إليه قويت حال العبد فإذا قويت أنس بالعبد كل شيء

وسئل الحسن بن على الدامغانى رحمه الله تعالى عن قوله عزّ وجلّ : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ ٱللهِ ( الرعد : الآية : 28 )

فقال : إن القلوب هشت وبشت وسكنت واستأنست ثم كشف عنه ، قال : هشت من معرفة جلال الله تعالى ، وعظمته ، وبشت من معرفة رحمة الله وفضله ، وسكنت من معرفة كفاية الله وصدقة ، واستأنست من

قال : وسئل الشبلى رحمه الله عن معنى قول أبى سليمان الدارانى رحمه الله : النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت فقال : إذا عرفت من يقوتها اطمأنت

والطمأنينة : حال رفيع ، وهي لعبد رجح عقله ، وقوى إيمانه ورسخ علمه وصفا ذكره وثبتت حقيقته

وهى على ثلاثة ضروب :

فضرب منها للعامة ، لأنهم إذا ذكروه اطمأنوا إلى ذكرهم له ، فحظهم منه : الإجابة للدعوات باتساع الرزق ودفع الآفات ، وهو ما قال الله عزّ وجلّ : ٱلنَّفسُ ٱلمُطْمَئِنَّةُ ( الفجر : الآية 27 ) يعنى بالإيمان بأن لا دافع ولا مانع إلا الله

قال : والضرب الثانى : للخصوص ، لأنهم رضوا بقضائه وصبرو على بلائه ، وأخلصوا ، واتقوا ، وسكنوا ، واطمأنوا إلى قوله عزّ وجلّ : إِنَّ ٱللهَ مَعَ ٱلَّذِيْنَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُوْنَ ( النحل : الآية ١٢٨ )

إِنَّ ٱللهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِيْنَ (  البقرة : الآية ١٥٣ ) فاطمأنوا وسكنوا إلى قوله : مع ، فكانت طمأنينتهم ممزوجة برؤية طاعتهم



والضرب الثالث : لخصوص الخصوص : علموا أن سرائرهم لاتقدر أن تطمئن إليه ، ولاتسكن معه ، هيبة وتعظيما لأنه ليس له غاية تدرك ،

و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( الشورى : الآية 11 ) وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ ۥ كُفُوًا أَحَدٌ (  الإخلاص : الآية 4 )

فمن كانت له الأشياء فى سره كذلك فإلى ماذا يطمئن أو يسكن قلبه ؟ ومن وقع فى عطش التمني فى طلب الزيادة وقع فى البحر الذي لاتجري فيه الأوهام ، وهذا كلام قد اختصرته من كلام الواسطي

والطمأنينة تقتضي حال المشاهدة



٩

حال المشاهدة

قَالَ الشَيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى
: إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( ق : الآية37 ) يعنى حاضر القلب
وقال أيضا وشاهد ومشهود ( البروج : الآية 3

 وقال أبو بكر  الواسطى رحمه الله فالشاهد الرب والمشهود الكون : أعدمهم ثم أوجدهم

 وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله فمن شاهد الله بقلبه  ( خنس عنه مادونه ، وتلاشى كل شيئ وغاب عند وجود عظمة الله تعالى ، ولم يبق فى القلب إلا الله

وقال عمرو بن عثمان المكى رحمه الله : المشاهدة ما لاقت القلوب من الغيب بالغيب ولا يجعلها عيانا ولا يجعلها وجدا

وقال أيضا : المشاهدة وصل بين رؤية القلوب ورؤية العيان ، لأن رؤية القلوب عند كشف اليقين فى زيادة توهم

وهو قول النبي صلعم : لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما : اعبد الله كأنك تراه الحديث


وأما قوله عز وجل وهو على كل شيء شهيد ( سبإ : الآية 47 )


فقالوا : هو مشاهدة الأشياء بعين العبر ، ومعا ينتها  بأعين الفكر


وقال عمرو المكى رحمه الله : المشاهدة يعنى المحاضرة ، يعنى المداناة ، كما ذكر الله عزّ وجلّ : وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر ( الأعراف : الآية 163 ) يعنى قريبة من البحر


 وقال عمرو المكى رحمه الله : المشاهدة : زوائد اليقين ، سطعت بكواشف الحضور ، غير خارجة من تغطية القلب

وقال أيضا رحمه الله : المشاهدة : حضور بمعنى قرب مقرون بعلم اليقين وحقائقها

وأهل المشاهدة على ثلاثة أحوال
فالأول منها : الأصاغر ، وهم المريدون وهو ما قال أبو بكر الواسطى رحمه الله : يشاهدون الأشياء بعين العبر ، ويشاهدونها بأعين الفكر


والحال الثانى من المشاهدة : الأوساط، وهو الدي أشار إليه أبو سعيد الخراز رحمه الله ، حيث يقول : الحلق فى قبضة الحق وفى ملكه ، فإذا وقعت المشاهدة فيما بين الله وبين العبد لا يبقى فى سره ولافى وهمه غير الله تعالى


والحال الثالث من المشاهدة : ما أشار إليه عمرو بن عثمان المكى رحمه الله فى كتاب المشاهدة ، فقال : إن قلوب العارفين شاهدت الله مشاهدة تثبيت ، فشاهدوه بكل شيء ، و شاهدوا  كل الكائنات به ، فكانت مشاهدتهم لديه ولهم به ، فكانوا غائبين حاضرين  ، و حاضرين غائبين ، على انفراد الحق فى الغيبة والحضور ، فشاهدوه ظاهرا وباطنا ،   وباطنا وظاهرا ، وآخرا أولا ، وأولا وآخرا ،


كما قال عزّ وجلّ :هو الأول والآخر والظهر والباطن وهو بكل شيء عليم (الحديد : الآية 3 )

و المشاهدة : حال رفيع وهى من لوائح زيادات حقائق اليقين وتقتضى حال اليقين


١٠

حَالِ الْيَقِيْنِ

قَالَ الشَيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالٰى اْليَقِيْنَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ عَلى ثَلَاَثَةِ أَوْجُهٍ : عِلْمِ الْيَقِيْنِ وَعَيْنِ الْيَقِيْنِ وَ حَقِّ الْيَقِيْنِقَالَ النَّبِيُّ صَلّٰى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلُّوْا اللهُ تَعَالٰى العَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْيَقِيْنَ فِي الدُّنْيَا وَ الْأَخِرَةِ
وَ قَالَ صَلّٰى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : رَحِمَ اللهُ أَخِىْ عِيْسٰى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوِ ازْدَادَ يَقِيْنًا لَمَشَى فِى الْهَوَاءِ
وَ قَالَ عَامِرُ بْن عَبْدُ قُوَيْسٍ ، رَحِمَهُ اللهُ : لَوْ كَشَفَ الغَطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيْنًا يَعْنِيْ عِنْدَ مُعَايَنَتِيْ لِمَا آمَنْتُ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ ، وَ هذَا كَلَامُ غَالِبَاتٍ وَوَجْدٍ وَ تَحَقُّقٍ
وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّٰى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الخَلْقُ يُبْعَثُوْنَ عَلَى مَا يَمُوْتُوْنَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُوْنُ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ فِى جَمِيْعِ مَعَانِيْهَا ، وَيَجُوْزُ اَنْ يَكُوْنَ لَهُ وَجْهٌ أَخَرٌ ، وَهُوَ اَنْ يَعْنِيْ : مَا ازْدَدْتُ عِلْمُ الْيَقِيْنِ
وَ قَالَ أَبُوْ يَعْقُوْبِ النَّهْرَجُوْرِيْ، رَحِمَهُ اللهُ : إِذَا اسْتَكْمَلَ الْعَبْدُ حَقَائِقَ الْيَقِيْنِ صَارَ الْبَلَاءُ عِنْدَهُ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءُ مُصِيْبَةً
وَالْيَقِيْنُ هُوَ الْمُكَاشَفَةُ
وَالْمُكَاشَفَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ  : مُكَشَافَةُ الْعَيَانِ بِالْأَبْصَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمُكَاشَفَةُ الْقُلُوْبِ بِحَقَائِقِ الْإِيْمَانِ بِمُبَاشَرَةِ الْيَقِيْنِ بِلَا كَيْفَ وَلَا حَدَّ
وَالحَالَةُ الثَّالِثَةُ : مُكَاشَفَةُ الْآيَاتِ بِإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَلِغَيْرِهِمْ بِالْكَرَامَاتِ وَ الْإِجَابَاتِ
وَالْيَقِيْنُ :حَالٌ رَفِيْعٌ ، وَ أَهْلُ الْيَقِيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ  : فَالْأَوَّلُ : الْأَصَاغِرُ ، وَهُمْ الْمُرِيْدُوْنَ وَالْعُمُوْمُ
وَهُوَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : أَوَّلُ مَقَامِ الْيَقِيْنِ :الثَّقَّةُ بِمَا فِى يَدِ اللهِ تَعَالٰى ، وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِى أَيْدِى النَّاسِ
وَهُوَ مَا قَالَ الْجُنَيْدُ،  رَحِمَهُ اللهُ ، حَيْثُ سُئِلَ عَنِ الْيَقِيْنِ ، فَقَالَ :الْيَقِيْنُ ارْتِفَاعُ الشَّكِّ
وَقَالَ أَبُوْ يَعْقُوْبٍ : إِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ فَقَدْ تَكَامَلَ فِيْهِ الْيَقِيْنُ
وَ سُئِلَ رُوَيْمُ بْنِ أَحْمَدٍ رَحِمَهُ اللهُ ، عَنِ الْيَقِيْنِ ،فَقَالَ :تَحْقِيْقُ الْقَلْبِ بِالْمَعْنَى عَلَى مَا هُوَ بِهِ
والثانى الأوساط وهم الخصوص وهو ما سئل ابن عطاء عن اليقين فقال: ما زالت فيه المعارضات على دوام الأوقات
وكما قال أبو يعقوب النهرجورىي رحمه الله : العبد إذا تحقق باليقين ترحَّل من يقين إلى اليقين حتى يصير اليقين له وطنًا
وسئل أبو الحسين النورى رحمه الله عن اليقين فقال : اليقين : المشاهدة ومعنى المشاهدة قد ذكرناه
والثالث : الأكابر وهم خصوص الخصوص وهو ما قال عمرو بن عثمان المكي رحمه الله : اليقين فى جملته تحقيق الإثبات لله عزّ وجل بكل صفاته
وقال حد اليقين : دوام انتصاب القلوب لله عز وجل بما أورد عليها اليقين من حركات ما لاقى به الإلهام
وقال أبو يعقوب : لايستحق العبد اليقين حتى يقطع عن كل سبب حال بينه وبين الله تعالى ، من العرش إلى الثرى حتى يكون الله لاغير ، ويؤثر الله تعالى على كل شيئ سواه، وليس لزيادات اليقين نهاية ، كلما تفهموا وتفقهوا فى الدين ازدادوا يقينا على يقين
واليقين أصل جميع الأحوال وإليه تنتهي جميع الأحوال ، وهوآخر الأحوال ، وباطن جميع الأحوال ، و جميع الأحوال ظاهر اليقين ، ونهاية اليقين : تحقق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب ، ونهاية اليقين : الاستبشار ، وحلاوة  المناجاة ، وصفاء النظر إلى الله تعالى ، بمشاهدة القلوب بحقائق اليقين بإزالة العلل ومعارضة التهم
قال الله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِيْنَ ( الحجر الآية ٧٥ ) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوْقِنِيْنَ ( الذاريات الآية ٢٠ )
وقال الواسطي رحمه الله : إذا أيقن بالمعنى وقع له مشاهدة الأحوال ، وإذا انكشف له حقائق المعنى خرج من أشجان الخلق ، خاطبهم بالتقريب ، وهو الكشف من الصديقية ، وخاطبهم  الله تعالى 
وخاطبهم الله تعالى ، بالمشاهدة فقال : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ  ( النساء: الآية ٦٩ ) الشهداء باعوه نفوسهم والصالحون الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون